المحقق البحراني

294

الكشكول

المنادمة فإذا أنبل مجلس وأجل فرش وجعل صاحب المنزل يلطف بي ويقبل علي بالحديث والرجلان لا يشكان أني منه بسبيل ، وإنما كان ذلك الفعل منه في لما ظن أني منهما بسبيل ، حتى إذا شربنا أقداحا خرجت علينا جارية تتثنى كأنها جان فأقبلت وسلمت غير خجلة وثنيت لها وسادة وأتى بعود فوضع في حجرها فحسبته فتبينت الحذق في حسبها ثم اندفعت تغني : توهمه طرفي فألم خده * فصار مكان الوهم من ناظري أثر وصافحه كفي فألم كفه * فمن لمس كفي في أنامله عقر ومر بفكري خاطرا فجرحته * ولم أر شيئا قط يجرحه الفكر فهيجت عليّ يا أمير المؤمنين بلا بلى وطربت لحسن غنائها وحذقها ثم اندفعت تغني : أشرت إليها هل علمت مودتي * فردت بطرف العين أني على العهد فحدت عن الإظهار عمدا لسرها * وحادت على الإظهار أيضا على عمد فجاءني من الطرب ما لم أملك معه النفس والضمير ، ثم اندفعت تغني بهذه : أليس عجيبا أن بيتا يضمنا * وإياك لا تخلو ولا نتكلم سوى أعين تشكو الهوى بجفوننا * وترجع أحشاء على النار تضرم إشارة أفواه وغمز حواجب * وتكسير أجفان وقلب مسلم فحسدتها واللّه يا أمير المؤمنين على حذقها ومعرفتها بالغناء وإصابتها معنى الشعر وأنها لم تخرج من الفن الذي ابتدأت به ، فقلت : بقي عليك يا جارية شيء ، فغضبت وضربت بعودها الأرض وقالت : متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء ، فندمت على ما كان مني ورأيت القوم قد تغيروا عليّ ، فقلت : أليس ثم عود ؟ قالوا : بلى يا سيدنا ، فأتيت بعود فأصلحت من شأني واندفعت أغني : ما للمنازل لا يحين حزينا * إصمن أمن بعد المدى فبلينا راحوا العشية روحة مذكورة * إن متن متن وإن حيين حينا فما أسمعته جيدا حتى خرجت الجارية فأكبت على رجلي تقبلهما وهي تقول : المعذرة واللّه إليك يا سيدي ما سمعت من يغني هذا الصوت مثلك ، وقام مولاها وكل من كان عنده فصنعوا كصنعها وطربوا واستحثوا الشراب فشربوا بالكاسات ثم اندفعت أغني شعرا :